الأحد، 14 أبريل، 2013

المراهقة الفكرية / إسلمو ولد سيدي أحمد


من المعروف أنّ المراهقة، بالنسبة إلى الإنسان، هي الفترة من بُلوغ الحُلُم إلى سنّ الرُّشْد. والحُلُمُ، يُوصَف به الصَّبيّ إذا أدْرَكَ و بَلغَ مَبلَغ الرِّجال.
أرجو من القُرَّاء الكرام، و من العُقلاء و المفكِّرين، أن يدلوني على الصفة الدقيقة لهذه "الزوابع" التي تجتاح عالَمنا العربيّ، في الوقت الراهن. و إلى أن أجد وصفا مُقنِعا، أنعت به هذه "الزوابع"، التي سأتحدث عنها لاحقًا، أجِدُني مُضْطرًا لوصفها بأنها نِتاج "مراهَقة فِكريّة"، كما ورد في العنوان، اتّسَمَ بها بعض أصحاب القرار، وبعض الفاعلين في بعض مجتمعاتنا العربية .وأقل ما يمكن أن توصف به، هو أنهانتيجة حتميّة لتصرفات صِبْيانيّة، عبثيّة، جنونيّة، مدمِّرة..إلخ.
و بحكم التخصُّص ومراعاةً لاهتماماتي الشخصيّة، سأبدأ حديثي في الموضوع، عن "الزَّوْبَعَةِ اللغويّة".
في مقال سابق بعنوان "تعريب العلوم الطبية في الوطن العربيّ"، ذكرتُ أنّ الطبّ يُدرَّس - بنجاح -  في سورية، منذ عام  1919م، حتى يومنا هذا. و ما يجري على العلوم الطبيّة، يجري على العلوم الأخرى. و قد ذكرت سورية، على سبيل المثال، لا الحصر. ثم ذكرت -في المقال نفسِه –أنّ العالم العربيَّ أصبح جاهزًا للتعريب الشامل، بعد أن توفرت له مُستَلْزَمات التعريب، و منها: المصطلح، الكتاب، المَرجع، الأستاذ، إلخ...و لا ينقصنا إلا اتخاذ قرار سياسيّ باستعمال اللغة العربية، في التدريس، وفي الإدارة، وفي جميع المرافق الحيويّة.
و بعد أن "نَضَجَت" الإجراءات الخاصة بعملية التعريب، و أصبحنا قابَ قوسيْن أو أدنى من تجسيدها على أرض الواقع، طَلعتْ علينا أصوات "نشاز" تنادي بضرورة "التَّعدُّد اللغويّ" في عهد العَولَمة. و قد ظن الغِرّ (الساذج) منا، في أول الأمر، أن الأمر يتعلق بتعلم لغات أجنبية حَيَّة، و فسح المجال لها في القطاعات الخاصة، لتساعدنا على التواصل مع الخارج، و تفيد في تنشيط الاقتصاد و التجارة و السياحة...، دون أن تُنافس اللغة العربية التي هي أهم رابط –بعد عقيدة الإسلام – يربط بين أجزاء الوطن العربيّ، من المحيط إلى الخليج.
و مع مرور الوقت، تبَيَّن أنّ المقصود ب "التعدُّدِ اللغويّ" هو دَسْتَرَة اللهجات  الوطنية المحلية ، و جعلها على قدم المساواة مع اللغة العربية الفصيحة، بل و جعل العامّية لغة قائمة بذاتها، لا صلة لها بالعربية الفصحى. من ذلك – مثلاً – أنّ "الحَسَّاِنيَّة" المستعمَلة في موريتانيا، و في المناطق التي  ينحدر سكانها مما يُعرَف ب "البيضان"، أصبحت تُعتَبَر – حسَب هؤلاء– لغةً مستقلة عن اللغة العربية الفصيحة. في الوقت الذي يرى أهل الاختصاص، المنصِفين و الموضوعِيّين، أن "العامّية" تُعَدُّ مستوًىمتدنيامن مستويات اللغة العربية، وهي بذلك جزء مكمِّل للفصحى ، كما أنها تقوم بدور مهم في الأنشطة الحياتية اليومية لمكونات الشعب العربيّ.ثمّ إنّ اللهجات الوطنية الأخرى- إن وُجِدَتْ- لا تُشَكِّل عقبةً في طريق النمو والتطور، مادامتْ لدينا لغة موحّدة (اللغة العربية )، التي هي وحدها القادرة- في الوقت الراهن – على نقل العلوم والمعارف ، وتسييرالشؤون المختلِفة، بصفتها لغة عالِمة.
و في خِضم هذه "الموجة"، أو "الزوبعة" يتبيَّن أنّ الصراعَ – في الوقت الراهن – لم يعد بين اللغة العربية و لغة المستعمِر  السابق (الانجليزية في المشرق العربيّ و الفرنسية في المغرب العربيّ)، و إنما انتقل هذا الصراع إلى صراع بين العربية–من جهة- و اللهجات الوطنية الأخرى -من جهة ثانية- و ذلك من أجل إضعاف اللغة العربية و إدخالها في "مناوشات" جانبية مع أخواتها (اللهجات الوطنية)، مما سيعمل على تقوية المُنافِس الفعليّ الذي هو اللغة الأجنبية.
و مع أنني لا أحبّذ الجريَ وراء ما أصبح يُعرَف ب "نظرية المؤامَرة"، فإنني لا أستبعد أن يكون الهدف من هذه "الزوبعة"، تقوية اللغة الأجنبية، على حساب اللغة العربية، لأنّ العامية لا تتوفر على الخصائص اللغوية التي تمكنها من منافسة اللغة العربية الفصيحة، في نقل العلوم و المعارف و التسيير الإداريّ، و غير ذلك.
فهل من المصادفة المحضة، أن يترافق هذا الهجوم الشَّرِس على اللغة العربية، مع تدمير الأقطار العربية، الواحد تلو الآخر؟ أليسالهدف هو تدمير اللغة بعد تدمير الإنسان و العُمران؟ و هل التغيير المنشود في وطننا العربيّ، لم يكن تحقيقه ممكنا ، ب "كُلْفَة" أقل؟ و هل الهدف من الأُسلوب الذي اتُّبِعَ من أجل التغيير، هو إضعاف القدرات العربية و جعل العرب يحتاجون إلى عشرات السنين لإعادة الإعمار، مما يَصُبّ في مصلحة آخرين يريدون المحافظة على توازنات استراتيجية مُعَيَّنَة ، تضمن استمرار تَفَوُّق أعداء العرب؟ و هل من المصادفة أن يترافق هذا التغيير "التدميريّ" للبشر والحَجَر، و هذا "الدم" العربيّ الغالي الذي "يسيل"على مَدَار الساعة، مع إثارة النعرات العِرقية و العَقدِيّة و الفِئوية و الطائفية، في ربوع الوطن العربيّ ؟
إننا أمام فوضى عارمة، لا أحدَ يستطيع أن يتنبأ  بمآلاتها، ولا بأنها ستكون "فوضى خَلاَّقة"، و هي العبارة التي نُسبت إلى وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة (كوندليسا رايس).والله أعلم بالمقصود من هذه العِبارة .
إننا أمام تحديات حقيقية، تفرض علينا جميعا – كل من موقعه – أن نكون في المستوى المطلوب، من أجل تجاوز هذه اللحظات التاريخية الفارقة. و لن يتأتى ذلك إلا بالمزيد من الوحدة و التعاون، و الحرص على تماسك جبهاتنا الداخلية، و تعميق اللحمة بين مكونات شعبنا ، وجعل ثوابت الأمة ومصالحها العامة فوق كل اعتبار.
إننا بحاجة ماسّة وملحّة وعاجلة، إلى أن نثبت أننا نتصرّف تصرُّفَ العُقلاء ، وأعمال العقلاء منزَّهَة عن العَبَث.
يجب التصدي لهذه "المهزلة" المتمثلة في أنّ المسلمَ يرفع السلاحَ على أخيه المسلم، و العربيّ يرفع السلاحَ على العربيّ، و المواطن العربيّ يدعم بقاء لغة المستعمر السابق، على حساب لغته العربية الجميلة ، لغة القرآن الكريم.
لابد من اليقظة التامّة ،وإعْماِلالفِكْر، وحُسْن التدبير، حتى نبرهن على أننا بلغنا سنّ "الرشد الفكريّ" و تجاوزنا  بذلك سنّ "المراهقة الفكريّة".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق