الثلاثاء، 14 مايو، 2013

اللغة العربية أمُّ اللغات ........إسلمو ولد سيد أحمد


دون الخوض في التّجاذبات الخاصة بالموضوع، حول ما إذا كانت العبودية موجودةً في الوقت الراهن، في بلادنا، أم أنّ الموجودَ حاليا هو آثارُها، أودّ أن أشير إلى أنّ الظواهرالاجتماعية - ومنها ظاهرة العبودية- لا تندثر بين "عشية وضحاها" ولا يمكن القضاء عليها بجرّة قلم، ومِن ثمّ فلا بدّ- لمعالجتها- من وضع استراتيجية تدريجية، قائمة على دراسة معمَّقَة في ضوء تصوّر علميّ موضوعيّ يبدأ بالعمل على تجفيف منابع الظاهرة، قبل معالجة الظاهرة نفسِها والقضاء على مخلَّفاتها. ولن أركِّزَ، في هذه العُجالة، على الجوانب التاريخية والقانونية المتعلقة بالظاهرة، لأنّ ذلك يقتضي الحديث عنها تاريخيا، وكيف عالجها الإسلام وشجّعَ على القضاء عليها تدريجيا، كما أنني لن أتحدث عن الظروف التي حدث فيها استرقاق الإنسان لأخيه الإنسان، ولا عن كيف عُولِجَتْ القضية قانونيا. لن أدخل في هذه التفاصيل، لأنّ كل جزئية منها تتطلّب بحثا مستقلا، بل بحوثا عديدة.
ومع ذلك، ونظرًا إلى أنّ هذه القضية مطروحة بحدّةٍ على المستوى الوطنيّ في هذه الأيام، فقد ارتأيتُ أن أدلي بدلوي حولها، مشاركًا بذلك في إثراء النقاش الدائر في الأوساط الإعلامية التي تولي الموضوع اهتماما خاصا، وهو أمر محمود ومطلوب.
لابدّ، في البداية، من التنويه بالجهود الوطنية التي قِيمَ بها، في هذا المجال، منذ قيام  الدولة الموريتانية الحديثة (1960م)، وعلى مستويات مختلفة، سواء أتعلق الأمرُ بالدولة أم بالمجتمع المدنيّ بمختلِفِ مكوِّناتِه، لكن هذه الجهود تظل غير كافية. كما أنَبِّهُ على أنّ هذه الظاهرة لا تقتصرعلى شريحة موريتانية واحدة (العرب: الأبيض منهم والأسمر)، فهي موجودة كذلك لدى إخواننا ومواطنينا من الزنوج. وهذا يعني أننا أمام قضية وطنية تعني الموريتانيين كافّة، بعربهم وزنوجهم وجميع شرائحهم الاجتماعية. ثمّ إنّ المتضرِّرَ من هذه الظاهرة، ليس دائمًا أسودَ اللون- كما يظنّ بعضهم، وإن كان ذلك هو الغالِب. يُضافُ إلى ذلك أنّ هذه الفئة ليستْ وحدها التي تعاني، في بَلَدنا الحبِيب، من الجهل  والفقروالمرض، وما يترتَّب على ذلك من احتقار وتهميش وإهمال وإقصاء...إنّ مشكلتنا الرئيسة، وهذا هو بيت القصيد، ما زالتْ تدور حول  الثّالوثِ المُخِيفِ"الجهل والفقر والمرض"، ممّا يعني أنّ جهودَنا ، ينبغي- بل يجب-أن تَنصَبَّ، أولا وقبل كل شيء، على مكافحة هذا "الثالوث" الخبيث الذي يُخشَى أن يفتك بمجتمعنا، في الوقت الذي استطاعت شعوب أخرى أن تتغلب عليه بإمكانات أقل من إمكاناتنا. ولا يفوتني أن أشير إلى أنّ الجهل هو أسوأ "ضِلْعٍ" في هذا المثلَّث، لأنّ الجاهِلَ سيظلّ-غالبًا- فقيرًا وعرضة للمرض، و هذا الجاهل الفقير معرض للمرض أكثر من المتعلِّم والغنيّ، بسبب  ضعف الوعي لدى الجاهل وسوء التغذية لدى الفقير، والنتيجة واضحة: الفقر والمرض وجهان لعملة واحدة، ومصدر الداء هو الجهل. وقد يكون من المناسب، في هذا المجال، التركيز على تعليم أبناء سكان الأرياف والبوادي ، وبصفة خاصة أبناء سكان ما يُعرفُ عندنا ب "آدْوابَه"، مع تحفيز آباء هؤلاء الأطفال وأولياء أمورهم على تعليم أبنائهم، لأنّ الأطفال في المناطق التي يعيش أهلها على الرعي  والزراعة - بصفة خاصة- يصعب عليهم أن يتفرغوا للدراسة، ويتخلوا عن مساعدة ذويهم في الأعمال الحقلية والرعوية. ولعل توفير الآلات الزراعية-على سبيل المثال- لهذه النوعية من الأسر يساعد على أن يقوم الكبار- بمساعدة هذه الآلات- بما يقوم به الأطفال، ليتوجه هؤلاء إلى مكانهم الطبيعيّ وهو المدرسة.
وبناءً على ما تَقدَّمَ، فإنني أقترح وضع خُطَّةٍ وطنية، يشارك في رسمها كلّ الفاعلين في المجتمع، تأخذ بعين الاعتبار العناصر الآتية:
1-إصلاح التعليم وتعميمه، وتهيئة الظروف المناسبة لانخراط جميع الأطفال فيه، عندما يصلون سن دخول المدرسة، مع التركيز على الفئات التي كانت محرومة من تعليم أبنائها، ومكافحة أسباب التسرُّب المدرسيّ، ومحاربة الأميّة لدى الكبار، وجعل مُخْرَجَات التعليم تستجيب لمتطلّبات سوق العمل، واتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة لتحقيق ذلك.
2-مكافحة الفقر، ليس عن طريق التعليم والتعلُّم فحسْب، وإنما كذلك بخلق المشروعات التنموية، في المناطق الهامشية-بصفة خاصة- من خلال إنشاء مؤسسات اقتصادية ( زراعية وتجارية وصناعية...) تستوعِب أكبر عدد من العمال والموظفين القادرين على العمل، كل حَسَبَ مهارته وتخصصه، وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في مؤسسات من هذا النوع، للتخفيف من حجم البِطالة.
3-الاهتمام بالصحة العامة للمواطن"العقل السليم في الجسم السليم"، من خلال التوعية الصحية، والتوسُّع في البنى التحتية ، بما في ذلك المستشفيات والتجهيزات الطبية، وتكوين الإطار البشريّ، وتعميم التأمين الصحيّ. مع ملاحظة أنّ  الاهتمام بالتعليم والصحة، يُعَدّ أولوية الأولويات، في المجتمعات التي تعمل من أجل التنمية البشرية التي هي قاطرة النمو والازدهار. والملاحَظ أنّ هذين القطاعيْنِ الحيويّيْنِ، لا يحظيان-في بلادنا- بالعناية اللازمة. ولا أدلّ على ذلك من ضعف الميزانية المخصصة لهما في الموازنة العامة للدولة.
وفي الختام، ومهما يكن من أمر، فإنّ تماسُكَ جبهتنا الداخلية  مَكْسَبٌ مهم يجب أن نعَضَّ عليه بالنواجذ، وأن نقف وقفة رجل واحد في وجه من قد تسول له نفسه "الأمّارة بالسوء" أن يجازف بوحدتنا الوطنية التي هي رأس مال لا يقدر بثمن.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق