الأحد، 31 مارس، 2013

نعم، عرفناك...


محفوظ ولد الجيلاني
 الشبكة في طبيعتها فخ تقع فيه مخلوقات مختلفة. وحين تنصب الشباك بشكل قصدي لاصطياد المخلوقات يراعي الصيادون ملاءمة الشباك لطرائدهم. لكن الشبكة الافتراضية تمتلك خاصية فريدة تجعلها قادرة على اصطياد جميع الطرائد المختلفة في الحجم، والقوة، والذكاء.
ذلك أن طرائد الشبكة الافتراضية يسعون إليها كما يتهاوى الجراد في النار فيقعون بمحض إرادتهم في المصيدة حيث يتخبطون حتى النفس الأخير فيجهز عليهم الصياد.
كانت طرائد الشبكة الافتراضية تتمايز من حيث الطعوم (ج. طُعم) التي يلقي بها الصياد لاجتذابها، لكن طرائد شبكة (موريتانيا الآن) تتصارع سلاحفها، وقروشها على نفس الطعوم الزهيدة؛ فيتقاتل التائهون في أزقة الصحافة، بعد الطرد من أروقة الجامعة، مع رؤساء الأحزاب وكبار الموظفين السابقين! حدث ذلك في ملف التهرب من دفع الضرائب حين سالت الأقلام بقدر سيلان اللعاب، وتفاوتت الأجور بين المليون، والمائتي ألف أوقية، فكانت تلك أثمان السلطة الرابعة!
وقد يكشف قادم الأيام أثمان المبادرات، والتصريحات، والمهرجانات... استنفد الطعم غرضه فكان على الصياد إيجاد طعم جديد لطرائده المتكاثرة بتكاثر الطُّعوم. فكان مفوض منظمة استثمار نهر السنغال الذي تم الاستغناء عن خدماته، بعد أن بقي في وظيفته ثلاث فترات متتاليات لم يجن منها وطنه أي فائدة. فإذا كان شركاؤنا في المنظمة يحرصون على بقائه، كما يشاع، فذلك يعود إلى أنه خدم مصالحهم أكثر مما خدم مصالح بلده.
ولم يكن بدعا في ذلك، فقد خدم غيره من المفوضين الموريتانيين مصالح السنغال على حساب مصالح وطنه، وأقيل حينها دون تعاطف من أحد.
لكن ما يميز المفوض المُقال، عن سابقه هو الثروة التي راكمها، وتطمع فيها الألسنة الحداد. وقد أشار الرئيس السنغالي إلى سوء تسييره حين تساءل، في جلسة علنية، حضرتها الصحافة عن جدوى الاستثمارات الكبيرة التي نفذتها المنظمة مع مردود ضئيل! ولم يكن رد المفوض المتلعثم مقنعا. ولم يكن طعم المفوض مغريا لطرائد الشبكة باستثناء بعض الغربان التي سئم الصياد نعيقها، فاجتاز حدودنا الشرقية بحثا عن طعم جديد...
عالج أصواتا، زور أرقاما، واختلق أحداثا ليبني من كل ذلك طعما لطرائده المألوفة. استورد الطعم من مالي هذه المرة! مالي حيث الفوضى، والحرب، والإرهاب والعنصرية، والقتل
على الهوية، والعداء المعلن للدولة الموريتانية وقيادتها الرشيدة التي رفضت المشاركة في حرب قذرة تنتهك فيها القوانين الدولية، وحقوق الإنسان، ويباد فيها العرب والطوارق في عملية تطهير عرقي لم تعرف المنطقة مثيلا لها...
تهافتت الطرائد على الطعم تنهشه بالمقابلات، والتحليلات، والمقالات مستخدمة نفس القاموس المسف، ونفس الأسلوب... لكن الطعم امتاز هذه المرة باجتذاب قرش عجوز أقعده العجز عن ارتياد أعالي البحار فاكتفى بالسبات في المياه الضحلة متحايلا بين الفينة والأخرى على فريسة صغيرة لم تتوقع كمونه في الوحل. جمع العجوز المتقاعد ما بقي فيه من قوة وانقض على الطعم. ولأنه أصبح نكرة، تساءل بصوت مبحوح تخنقه العبرة.. هل عرفتم من هو؟  
  نعم، عرفناك...
مناضلا في صفوف الحركة اليسارية الماوية المعروفة بالكادحين، ثم موظفا عقدويا، لتظهر في حقبة الفساد مناضلا في الحزب الجمهوري، ومنظرا للدكتاتورية مشاركا في الفساد.
نعم، عرفناك...
وزيرا للخارجية مطبعا مع الكيان الصهيوني، ومحاولا إقناع الرأي العام العالمي بدكتاتورك الذي تسبح بحمده. وحين أطيح به كنت على رأس المنقلبين عليه فانخرطت في الحكم
الجديد ممارسا هواية التلميع التي أدمنتها...
نعم، عرفناك...
مهزوما في مسقط رأسك وبين ذويك، في أول انتخابات شفافة وأنت المدمن للانتخابات المزورة.
 نعم، عرفناك...
سفيرا تجمع الأموال في الخليج لتحرير العبيد في موريتانيا عملا بأيديولوجيتك التحررية!
نعم، عرفناك...
سفيرا للرئيس الذي تعرض به اليوم، وظللت لصيقا به، حتى إذا تقاعدت، كما يتقاعد الموظفون العموميون قلبت له ظهر المجن، وجربت حظك في الكتابة فكان أقرب أساليبها إلى مزاجك، وأيسر فنونها عليك الهجاء فدبجت المقالات على سمت الحطيئة. غير أن الشاعر في هجائه كان مبدعا، وكنت في مقالاتك مقذعا.
نعم، عرفناك...
في آخر مقالاتك الهجائية تستند على غيرك نثرا وشعرا. فقد أدمنت التصرف في الأموال، الوطنية والخليجية، فهان عليك التصرف في الأقوال. تصب جام غضبك على الاستبداد، فيظن من لا يعرف سيرتك أنك مانديلا العصر، او كواكبي التاريخ! ناضلت غضا في حزب ماركسي أسس على الاستبداد، وخدمت كل الدكتاتوريات التي توالت على الوطن، فمن أين جاءك هذا الهيام المفاجئ بالحرية!
تأخذ، بحق أو بغير حق، لا يهم! من أقوال أحد المستبدين، قولا تضعه على لسان الرئيس الذي خدمته إلى أن تقاعدت.." من عارضنا عذبناه، ومن والانا احتقرناه، والسعيد من لا يرانا ولا نراه." يكذب واقع حالك جملتك الأولى، فأنت تعارضه منذ تقاعدت، ولم يتعرض لك أحد بسوء، فأين العذاب الذي تتحدث عنه! وإذا كان تركك لقلة شأن معارضتك، فإن المئات من معارضيه الأكثر تأثيرا منك وشعبية معافون في أبدانهم، متمتعون بحقوقهم...   
أما الجملة الثانية فأنت أدرى بصدقها لطول ما واليته. فإن كان احتقرك، فلمَ صبرت على الاحتقار حتى أدركك التقاعد وأنت محتقر! والجملة الأخيرة.."السعيد من لا يرانا ولا نراه". فقد أتاح لك التقاعد هذه السعادة، لكنك أبيتها طلبا للعذاب وسيلة للاحتقار...  
كتبتَ ذات يوم مقالا بعنوان: الشعب يريد تهذيب اللسان. لكن مقالك الأخير كله سباب، فهل نسيت مقالك ذاك، أم أنك كتبته في غفلة من شعورك، وجاء المقال الأخير معبرا عن الطبع الذي يغلب التطبع!
الآن عرفناك...بكل ما أوتيتَ من..وقاحة وجرأة..وقلة في الذوق والأدب...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق