السبت، 21 مارس 2015

إسلمو ولد سيدي أحمد/ اعترافات "مُغترِب":

لقد عشتُ خارج الوطن الحبيب (موريتانيا)، ما يناهِز خمسين سنة (سبع سنوات بالقاهرة " من أجل الدراسة"، وسنة بالجزائر "في إطار العمل الدبلوماسي"، و أربعين سنة بالرباط، أربع منها "في إطار العمل الدبلوماسي" والباقي "في إطار العمل الثقافي"). ومع أنّني عشت هذه الفترة في بلدان عربية شقيقة ممّا جعلني لم أشعر قط بالغربة في تجلياتها المعروفة، فإنني أعترف بأنّ الحنين إلى مسقط رأسي لم يفارقني يومًا. لقد عشتُ دائمًا على أمل العودة إلى تلك الربوع، ولسان حالي يكرر قول الشاعر: "بِلاد بها نِيطَتْ عَليَّ تمائمي* وأول أرض مَسّ جِلدي تُرابُها".
واليوم، وأنا أتابع باهتمام ما ينشره بعض الإخوة - مشكورين- من أجل التعريف بأبناء المنطقة وبإنتاجهم الفكريّ والأدبيّ (لِغْنَ بصفة خاصة)، أعترف أن شريط الذكريات حملني على جناحيْه وحلَّق بي عاليًّا في أجواء مَرابِع الحي أيام كنا نرتحل من منطقة إلى أخرى بحثًا عن الكلإ ومساقط الأمطار(النُّجْعَة). وقد تذكرتُ مقاطع ممّا جادت به قريحتي من وصف تلك الرحلات، وكنتُ وقتها شابًّا يافعًا، حيثُ أقول:
"عاَكبْ تسْدَارِ في ازْوَيْرَاتْ* امْلَانَ منْ خَنْفُوس الزِّيرْ*شَوَّفْنِ يَلل لدْوَيْرَاتْ* ألْفرْكَانْ افْشَلْختْ لحْمِيرْ*
وانْكُوم أمْسَوْحَلْ مَانِ عَانْ* عَن طَرْف أرْضِ ذَالتَّلِّ كَانْ* كَدْ أمْزَرِيكَ وِي مُنْجَانْ* واشْلَيْختْ مُحَمْد الْكَبِيرْ* واكْلَيْب أَوْلَادْ الْحَاجْ ؤظَانْ* عَنِّ منْ فَمْ انْكُوم انْسِيرْ* نَوْخَظْ كَدْ اكْبالْ الْحِسْيَانْ* نَكْطَعْ منْ مَكَانَتْ ونْدِيرْ* لَبْصَارْ اعْلَ يَمْ النِّوادْ* ذَاكْ التَّلِّ منْ فَمْ انْطِيرْ* وانْجِ زَادْ اعْلَ مَحْمْ اكْبَادْ* يَدْرَجْنَ بَاطلْ كَال اعْرَيْرْ* وانْشَرَّكْ يَالْوَاحِدْ في الذَّاتْ* نَوْطَ فشْليْختْ لكْلَيْبَاتْ*وانْعَيَّنْ لمْنَيْحرْ عَرَّاتْ* نرْفدْ عَيْنِ هَذَاكْ اسْدَيْرْ* كبْلتْ ذَاكْ افْكَدْ الْمَلْكَ* نَوْكَل للِّ فِيه امْن اعْذِيرْ* ؤُنَهْنَ فِيه ؤُلَا نَلْكَ* بَعْدُ بَشِيرْ ؤلَا نَذِيرْ* عاكب تسدار في ازويرات...
وأتصور أنني لو أردتُ أن أزورالآن هذه المواضع، سأطلب من شخص يعرفها حق المعرفة أن يرافقني في رحلة تبدأ من"شَلْختْ لحْمِيرْ" وتنتهي عند "الْمَلْكَ"، مُرُورًا- وعلى الترتيب- بالأماكن المشار إليها. وسيكون هذا الدليل البشريّ بمثابة الدليل الآليّ (الجهاز المعروف اليوم باسم: jps) الذي يدلنا على عناوين في مدينة كبيرة لا نعرف عنها أيّ شيء.
وفي هذا الإطار، أقول في مجال التوَسّل:
"عَبْدَكْ ذَ يالواحد في الذاتْ* يَلّْ بامْرْ اعْبيدكْ نَظِيرْ* مَاهُ هَانِ سَابكْ مَا فَاتْ* مَضَّ في النّوادْ اتْكَوِرِيرْ* يَارَبِّي واكْتنَّكْ مَشَّيْتْ* خَلْقَكْ عَن بِلَادُ فُقَيْتْ* مَايبْغِيهَ والْبِيهْ اجْفَيْتْ* منْهَ يالرَّبْ، الطُّولَ، دِيرْ* فِيهَ نَبَاتْ ابْجَاه البَيْتْ* يغْنِ عَن ذَ منْ حَكْ الدَّيْرْ* وارْفُودْ الثَّكْلَ واتْحَتْحِيتْ* الضِّعَافْ ؤُتدْبَارْ الْعَيْرْ* وَوْرَ ذَ يَلل لَا وَسَيْتْ* بِينَ مَاه ألِّ فِيهْ الْخَيْرْ".عبدك ذ يالواحد في الذات...
ويُلاحَظ - لحسن الحظ – أنّ الموريتاني لا يزال، بصفة عامة، مهتمًّا بهذا الأدب الحسّانيّ الرائع، لكن توظيفه في المجالات المختلفة لا يصل إلى المستوى المطلوب.
ولا يفوتني في هذا المجال أن أطلب من الإخوة (الشباب بصفة خاصة) أن يجمعوا هذا الإنتاج الحسّانيّ الذي هو جزء مهم من تراث المنطقة، قبل أن يندثر. كما ألتمس من "لمغنيين" أن يمدوا المدونين بما يمكن أن يُنشر من إنتاجهم، لأنهم وحدهم القادرون على انتقاء ما يرونه قابلا للنشر، من وجهة نظرهم.

مع تحياتي للأخوة المدونين وتقديري لمبادراتهم الخاصة بهذا الشأن.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق