الأربعاء، 16 أبريل 2014

أين الدركي سيدي ولد يطن؟ ...محمد امبارك ولد الحاج


كان الشعار الأبرز لحملة 2009 الانتخابية بالنسبة للمرشح محمد ولد عبد العزيز هو محاربة الرشوة والفساد، ودحر المخاطر التي تهدد أمن واستقرار البلد وفق تعبيره.

وذلك في إشارة واضحة منه الى التنظيمات الجهادية المسلحة التي تتخذ من شمال دولة مالي المجاورة مرتعا لها ولعملياتها الإجرامية بدءا بالتهريب المخدرات والأسلحة ومرورا بالخطف بغية الحصول على فدى، وصولا الى العمليات الإرهابية التي تروع الآمنين من الأجانب والمواطنين في حزام ما يسمى ببلدان الساحل بل وتهدد أمن واستقرار تلك الدول الفقيرة وخاصة موريتانيا منها.

وبالفعل شكل وصول الجنرال ولد عبد العزيز (53 عاما) إلى الحكم عبر انقلاب 2008، وانتخاب 2009 نقلة نوعية بالنسبة للقوات المسلحة الموريتانية وقوات الأمن. حيث تم وضع الجيش في أهبة الاستعداد لمواجهة تلك التهديدات والمخاطر، كما تم الرفع كذلك من جاهزيته ليكون في مستوى التحديات المطروحة، وذلك بعد أن تلقى ضربات موجعة من طرف تلك التنظيمات التكفيرية في لمغيطي 2005 وتورين 2008. وبموازاة ذلك تحدثت عدة تقارير عن وجود علاقة وثيقة بين تجار المخدرات في أمريكا الجنوبية وقادة تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي. وكانت بعض تلك التقارير موثقة بالأدلة حيث تم العثور 2009 على طائرة بوينغ 727 محترقة في منطقة نائية شمال شرق مالي. وكانت تحمل على متنها عدة أطنان من مخدر الكوكايين وأسلحة وبضائع أخرى. كما كان تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي ممثلا في أحد أبرز قادته المسمى «عبد الكريم» وهو جزائري الجنسية متواجدا خلال اجتماع سري حضره أكبر بارونات المخدرات الكولومبيين ومروجيها.

خلال شهر أكتوبر 2010 بإحدى الجزر المسماة ''بيجاغوس'' الواقعة بغينيا بيساو· وحسب ما أكدته معلومات، تحصلت عليها وكالة الاستخبارات الأمريكية "سي· أي· أي"، فقد نظم الاجتماع بإقامة فاخرة لأحد أكبر بارونات المخدرات الكولومبيين التي شيدها في أرخبيل هذه الدولة الفقيرة الواقعة غرب القارة الإفريقية· وقد راسلت وكالة الاستخبارات الأمريكية نظيرتها بغينيا بيساو لتطلعها على هذه المعلومات، مشيرة إلى تحول المنطقة إلى مرتع حقيقي لبارونات تهريب المخدرات الصلبة المتمثلة أساسا في الكوكايين والهيرووين· وفي تصريح منسوب لمسؤول أممي رفيع المستوى تم الكشف عن أن حوالي 60 طن من الكوكايين يتم تهريبها سنويا عبر غرب إفريقيا، عن طريق ما يطلق عليه الخبراء والمختصون اصطلاحا الطريق السريع "A ـ 10"، وهو ما مكن الحركات الجهادية المسلحة في المنطقة والمتعاونة مع تجار المخدرات والقوات المتمردة المناوئة للحكومات في الساحل من الحصول على موارد مالية معتبرة من عمليات التهريب تلك لتمويل عملياتهم الجهادية وشراء المعدات والأسلحة والسيارات وأيضا المقاتلين. وبالتالي يمكن القول إن تلك التنظيمات ليست مستعدة قط للتخلي عن تحالفاتها المثمرة والمدرة للدخل تحت أي ظرف كان . كل هذه المعطيات وغيرها تثبت أن تنظيم القاعدة الجهادي في منطقة الساحل مرتبط بشبكات التهريب "الكافرة" في أمريكيا اللاتينية ويقدم لها الدعم اللوجستي اللازم لنقل بضاعتها إلى وجهتها النهائية.

المواجهة...

ما هي إلا أيام قليلة من اجتماع عقده مدير الأمن العام في موريتانيا الجنرال محمد ولد الشيخ ولد الهادي مع بعض المسؤولين الأمنيين الجزائريين في نواكشوط حيث قال لهم مداعبا أو ـ جادا ـ إن الأمن الموريتاني لديه "حكمّة" أو "حجّاب يربط به رؤوس عناصر القاعدة" بحيث لا يمكنهم مهاجمة البلاد، حتى فجر "أبو عبيدة موسى البصري" ـ نسبة إلى حي البصرة الفقير في العاصمة ـ نفسه قرب أسوار سفارة فرنسا في نواكشوط لدى مرور دركيين فرنسيين كانا يمارسان رياضة الجري فأصيبا بجروح طفيفة. فكانت الصدمة مدوية، فهي أول عملية من نوعها في تاريخ الصراع مع القاعدة . لكن ما جعلها صادمة أكثر أنها جائت في العاشر من شهر أغشت 2009، أي بعد أربعة أيام فقط من تنصيب الرئيس الموريتاني الجديد محمد ولد عبد العزيز الذي هدد بدوره مرارا القاعدة في الساحل بدفع الثمن غاليا نتيجة جرائمها في حق جنوده، وأعلن في حفل تنصيبه أنه "لن يدخر جهدا في مكافحة الإرهاب وأسبابه". وهنا وجب التنويه الى أن فرنسا قد أعلنت عن دعمها على لسان مسؤوليها للسياسية المتبناة من قبل النظام الجديد في موريتانيا فيما يتعلق بالأمن ومحاربة الجريمة المنظمة والإرهاب. رسالة أخرى الى النظام الموريتاني الجديد جاءت مع نهاية العام 2009 وتمثلت في خطف ثلاثة رعايا إسبان يعملون في مجال الإغاثة الإنسانية على الطريق السيار الرابط بين العاصمتين السياسية نواكشوط والاقتصادية انواذيبو من قبل مرتزق صحراوي يعيش في شمال مالي ويعمل لصالح القاعدة يدعى سيد أحمد ولد حمه ولقبه "عمر الصحراوي".

إذن بدا واضحا أن القاعدة قد وضعت موريتانيا ونظامها المتحالف مع فرنسا على قائمة اهتماماتها. بدوره لم يتأخر رد النظام كثيرا على هذه الاستفزازات المتتالية… إذ سرعان ما أعلن عن إنشاء ما بات يعرف بفرق مكافحة الإرهاب الخاصة، وهي فرق منتقاة من نخبة القوات المسحلة الموريتانية، ومزودة بكافة الأسلحة والأجهزة والآليات للقيام بدورها على أكمل وجه وفق ما أعلنت عنه إدارة الإتصال بالقيادة العامة للأركان الوطنية.

وقد قامت تلك الفرق بالإنتشار والتمركز في أقصى الشمال والشرق الموريتانيين. وهو ما جعل القاعدة تتقهقر داخل مالي بعيدا عن الأراضي الموريتانية، كما باتت حركة حلفائها المهربين في المنطقة محدودة نسبيا. وفي عملية أخرى أقرب الى الفكاهة والتنكيت خطفت فرقة خاصة تابعة للمخابرات الموريتانية بمساعدة قيادي سابق في تنظيم "فرسان التغيير" عمر الصحراوي نفسه ليلة زفافه وهو لم يدخل بعد على عروسه، واستجلبته مقيدا الى نواكشوط حيث حكم عليه بالسجن 12 عاما مع الأعمال الشاقة وبمصادرة جميع ممتلكاته بعد أن أدانه القضاء رفقة أخرين بتهمة المساعدة على خطف رعايا غربيين على التراب الموريتاني وتقديم الدعم اللوجستي لجهات معادية بهدف تنفيذ عمل إهابي يدينه القانون. والمضحك في قصة عمر الصحراوي الدرامية هذه أنه سلم من طرف السلطات الموريتانية الى نظيرتها المالية فيما بعد والتي قامت بالإفراح عنه، ملبية بذلك أحد مطالب القاعدة مقابل الإفراج عن الرعايا الأسبان بوساطة من رجل الأعمال المصطفى ولد لمام الشافعي، وكان هو نفسه من قام بإعادتهم من معسكرات التنظيم، وقد صرح أحدهم للصحافة الدولية مبتسما بعد الإفراج عنه ـ لقد أمن لنا عمر رحلة سياحية مجانية في الصحراء ذهابا وإيابا ـ.

حادثة خطف الرعايا الإسبان كانت فرصة مناسبة لعودة شخصية ستكون محور حديثنا في ما بعد إلى المشهد الأمني في البلاد. وهي شخصية اللواء نجاغا جنغ الذي تولى زمام الأمور في القيادة العامة لأركان الدرك الوطني بعد إقالة الجنرال احمد ولد بكرن وتحويله الى منصب هامشي متمثل في الأمانة العامة لوزارة الدفاع. كانت سنة 2010 سنة المواجهة المباشرة بين الجيش الموريتاني من جهة وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وحلفائه المهربين من جهة أخرى.

ففي 26 من شهر فبراير اشتبكت وحدة من الجيش الموريتاني مع قافلة من المهربين تتولى عناصر تابعة لتنظيم القاعدة تأمينها قرب بلدة "لمزرب" على الحدود الموريتانية المالية شمال البلاد. وقد أدى الحادث إلى مقتل ثلاثة أشخاص وجرح اثنين واعتقال 16 عشر شخصا، بينما جرح جنديان موريتانيان. كما تمت مصادرة 6 سيارات عابرة للصحراء محملة بعدة أطنان من المخدرات، وكذلك كمية معتبرة من الأسلحة وأجهزة الاتصال ومبالغ مالية.

علمية "لمزرب" النوعية تلك والتي أثبت فيها الجيش الموريتاني جدارته في ضبط حدود البلاد وتأمينها تستحق منا بعض التوقف، حيث توجد معلومات أخرى تؤكد أن الجيش توصل من "جهة ما" على معلومات وتفاصيل متعلقة بتحرك القافلة ووجهتها وهو ما مكنه من الاستعداد لها جيدا والانقضاض عليها في تلك البقعة الجغرافية الوعرة.
فمن هي تلك الجهة ياترى؟
وما هي مصلحتها في تزويد الجيش الموريتاني بمعلومات كهذه؟
و ماهو المقابل الذي تلقته؟.

الحرب الخاسرة...

في 22 من شهر يوليو 2010 نفذت وحدة كوماندوس من القوات الموريتانية الخاصة مدعومة بفرقة أخرى فرنسية عملية قرب مدينة تيمبكتو بالشمال المالي استهدفت معسكرا تابعا لسرية الفرقان بقيادة الجزائري "يحيى أبو الهمام"، وهي إحدى أكبر التشكيلات المقاتلة المحسوبة على تنظيم القاعدة في مالي، وقد قتل في العملية سبعة عناصر تابعين للتنظيم أغلبهم موريتانيون. كانت العملية تهدف حسب ما أعلنت عنه إدارة الإتصال بالقيادة العامة لأركان الجيش الموريتاني الى إحباط هجوم مسبق على إحدى المدن الشرقية للبلاد. لكن هنالك من كانت له وجهة نظر مغايرة حول الموضوع... وخاصة الفرنسيين... إذ سرعان ما أعلن التنظيم الجهادي عن قتل الفرنسي المختطف لديه ميشيل جرمانو البالغ من العمر (78 عاما) والباحث في مجال الجيولوجيا بعد انقضاء المهلة التي حددها للتفاوض بشأن مصيره في السادس والعشرين من نفس الشهر. وهو الأمر الذي جعل باريس تؤكد أن العملية كانت عكس ما أعلنت عنه نواكشوط تهدف الى تحرير الرهينة الفرنسي العجوز، وتتأسف على لسان رئيسها ساركوزي للحادث "البربري والأليم" وفق تعبيره.

وفي شهر سبتمبر من نفس السنة دائما حدث تحول حقيقي في الصراع بين موريتاينا والقاعدة، حيث دخلت وحدة من الجيش الموريتاني أثناء توغلها في الشمال المالي في مواجهات عنيفة مع كتيبة الفرقان التي يقودها المدعو يحي أبي الهمام ذاته قرب بلدة تسمى "حاسي سيدي"، فكانت الخسائر كبيرة جدا. وكعادتها قالت إدارة الاتصال إن القوات الموريتانية كبدت التنظيم الإرهابي خسائر فادحة في الأرواح والمعدات، وفي مقابل ذلك أعلنت القاعدة أن خسائر القوات الموريتانية التي اتهمتها بأنها تقود حربا بالوكالة نيابة عن فرنسا كانت الأكبر في تاريخ الصراع بين الطرفين. وبثت شريط فيديو فيما بعد يظهر عددا من السيارات التابعة للجيش الموريتاني وكمية من الأسلحة قال التنظيم إنه حصل عليها كغنائم بعد المعركة. عمليات القوات المسحلة داخل شمال مالي حيث معاقل كافة التنظيمات الجهادية المسلحة أربكت المشهد السياسي داخليا. حيث أعلنت المعارضة الموريتانية عن رفضها لخوض الجيش أية معارك خارج حدود البلاد. معتبرة أن هذه المعركة لا تخدم استقرار البلاد ولا أمن المواطنين. كما وترت لبعض الوقت علاقات موريتانيا مع بعض جيرانها خاصة دولة مالي التي هاجمت معارضتها ووسائل إعلامها موريتانيا وجيشها معتبرين ان ما يحدث ليس حربا على الإرهاب بقدر ما هو استعمار جديد لبلادهم من طرف قوى خارجية متمثلة في موريتانيا. وبالفعل كانت بعض تلك التكهنات صحيحة، إذ سرعان ما هددت القاعدة أمن البلاد والمواطنين والمقيمين أيضا بإرسالها في شهر أغشت 2010 لسيارة مفخخة تفجرت على أسوار قاعدة عسكرية في مدينة النعمة شرق البلاد لكنها لم تحدث أية خسائر في الأرواح، كما أرسلت بعد ذلك ثلاث سيارات مفخخة بغية تنفيذ عمليات نوعية تهدف أساسا الى ضرب مراكز حيوية في قلب العاصمة نواكشوط. وقد تم إحباط المخطط من قبل الأمن الموريتاني، حيث أعلنت السلطات عن تفجير سيارة مفخخة فجر الأربعاء 2 فبراير على مشارف العاصمة نواكشوط قتل داخلها ثلاثة مسلحين من القاعدة، وأصيب ثمانية جنود بجراح طفيفة، بينما تم ضبط سيارة أخرى مفخخة في الصحاري وسط البلاد، واعتقل أحد عناصر المجموعة المسلحة وهو غيني يدعى "يوسف كيدا" ويكنى "أبو جعفر الغيني"، بينما اعتقل آخررون وقتل زميل لهم على الحدود مع السنغال بعد أن ظل مختبئا لأيام في غابة مجاورة.

معركة واغادو والتي وقعت في يونيو 2011 تعتبر آخر المواجهات العنيفة بين القاعدة والجيش الموريتاني، ولا تزال حصيلتها لحد الأن مبهمة حيث تمسك كل طرف بطريقته المعتادة في نقل تفاصيل الأحداث، مؤكدا لوسائل الإعلام أنه أحدث خسائر فادحة في الطرف الأخر.

لقد أسهبنا في السرد الكرونولوجي للمواجهات بين الحركات الجهادية والجيش الموريتاني، وذلك في محاولة لوضع القارئ في الصورة الفعلية لخلفية ذلك الصراع، الذي يعتقد البعض أن الهدف منه لم يكن ما هو معلن للعموم.

وكما أسلفنا فإن تحالف القاعدة مع عصابات التهريب في أمريكا الجنوبية من جهة ودخولها في صراع من أجل تأمين الطريق لتلك العصابات مع الجيش الموريتاني من جهة أخرى، أدى لا محالة الى عرقلة عمليات التهريب عبر الطريق السريع "A ـ 10 ".

وعلى الرغم من أن القاعدة سيطرت مع نهاية العام 2011 وبداية العام 2012 على شمال مالي بشكل كلي بعد أن تغيرت موازين القوى إقليميا ودخل فاعلون جدد على الخط هم المتمردون الطوارق العائدين بالمال والسلاح من ليبيا المدمرة بفعل الحرب الأهلية الأخيرة . إلا أنها سرعان ما وجدت نفسها في ورطة أخرى تمثلت في التدخل الفرنسي شهر يناير 2013 في الشمال المالي، والذي شكل نكسة حقيقية لتجارتها المثمرة وأضر بتحالفاتها مع أباطرة التهريب الأمريكيين الجنوبيين.

وهنا حق لنا التساؤل: كيف واصلت البضاعة وصولها الى أوروبا...؟

بداية لا بد لنا من العودة من تلك الحرب دون أن نربط بين السياقين الى الوضع الداخلي لموريتانيا، والسياسات التي اتخذها النظام الجديد خاصة في مجال محاربة الجريمة المنظمة وتجارة المخدرات منذ 2009 وحتى اليوم.


نقلا عن صحيفة "الأخبار إنفو"

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق