السبت، 1 مارس 2014

‏وانطفأت ..شمعة..حياة‬... ‫‏أنست..بها..عشرين..عاما‬ ... بقلم الطيب عيسى بلال


أيها الألم لن تهزمني هذه المرة ... لسنا حديدًا ولا صلصالُنا خزفُ ... سأفتح قلبي رغم أنفك وأبوح بأشجاني سأترك لمدادي الكلام فسد آذانك أو ارتحل لك الخيار أيها الألم
...
حين يكون الحديث عن رحيل الحبيبة "النن" والمتحدث هو العبد الضعيف فجميع معاجم و قواميس الأرض تعجز عن شرح ما أريد أن أقول.. لكن رغم كل شيئ سأسرق من روحك الطيبة الراضية المرضية لحظات لأناجيك وأهمس في أذنك أودعك وألقي عليك كلماتي الأخيرة لعل ذلك يكفرعن غيابي عن الصف الأول في الصلاة على جثمانك الطاهر ... لست شاعرا متمكنا فأجود بمعلقة عصماء هي أقل ما تستحقين و حتى شعري الرديء لا يرقى أن تودعي به أيتها العزيزة الخالدة... لكن سأنثر لك كلماتي نثرا كما كنت تنثرني لي ردائك حبا وبرا... .
من أين أبدأ وأنا لم تفارق شفتي لذة قبلتي الأخيرة على جبينك الطاهر صبيحة يوم من أيام سبتمبر وأنا أغادر على عجل الأهل والوطن أحب بقاع الأرض إلي ... من أين أبدأ وسمعي يملأه صدى صوتك وأنت توصيني وصية –لم أكن أعلم أو أتوقع أن تكون وصية أخيرة- "صل ولا تكذب وتوكل على مولانه" لن أنسى هذه العبارة ما حييت ...
من أين أبدأ وأنا أناجيك من بعدين المسافة والغياب وإلى أي مدى سأصل حين تتيه العبارات ويستوطن الحزن القلب من أدناه إلى أقصاه حين ترسم الفجيعة لوحتها مكتملة ويعظم المصاب ويجل الخطب – ولو أنه لا مصيبة بعد رسول الله-
قاسية هي الحياة وقاسية أنت أيتها المنون بل تجاوزين الحد في القساوة ... كيف اختلست أحب أهل الأرض إلى قلب البعيد المكلوم كيف طوعت لك نفسك أن تطعنيني في الظهر بهذه الطريقة الصعبة والقاسية دون رحمة دون حنان دون مقدمات... ثم كيف حرمتني من حضور الصلاة وسكب الدموع دما على ضريح حبيبتي ليلاي ومرميي و ميي .. – لا اعتراض على قضائك يا ربي-.
"النن" هي الملاذ والملجأ هي الصديق والطريق هي الأم والحبيبة هي العطف والحنان هي الحب والرحمة منذ نعومة أظافري عشت في جلباب ذلك الملاك الطاهر والإنسان النادر لا تخيفني الخوافي ولا القوادم ... كنت تكبرين وتعظمين وتزدادين بهاء في عيني كل يوم تنصرم السنين ويدور الزمن وأنت أيتها الهالة الساحرة تتوجين درب حياتي الشائك فبدعواتك إجتزت الصعاب وبدعمك وعطفك تخطيت المشاكل والمحن ... شاءت الأقدار وظروف الدراسة والحياة أن نفترق لكن كلماتك ما فارقت لساني وصدى حديثك الرباني ما فارق أذني يوما كان أسعد أيام حياتي حين أجلس بجانبك لا يشاركني فيك أحد في لحظة وصال يحسدني عليها كل سكان الأرض ... كان حديثك الشجي لايمل من كل فن لك نصيب وفي كل مجال لك رأي سديد كان لسانك ينطلق بالقرآن لا إراديا أن تذكرين سورة "عم" و"الواقعة" اللتان تطربين أسماعنا بهما كل حين ... إن أردت عندك السيرة وجدت وإن رمت الفقه والعقيدة والنظم والشعر أصبت ... كنت دائما أرى فيك ما لا أراه في نساء العالم امرأة ربانية مسلمة جامعة موحدة اجتمعت فيك مكارم الأخلاق وتلاقت فيك محاسن الصفات والشيم ... وإن كان الخلق الذي إشتهرت به ين الأنام هو البذل والسخاء –ولاغرو فأنت ابنة محمد الأمين ولد بلال وخدجة بنت محمد بابو رحمها الله- لم يكن لبذلك وسخائك حدود أو صيغة واحدة فكان بذل المال والنصح بذل طلاقة الوجه والسعي في مصالح المسلمين كنت تعطين باليمين للكبير والصغير للغني والفقير لمن تعرفي ومن لاتعرفي وعند "صندوق "النن" الخبر اليقين منذ فتحت عيني ما سمعتك دعوت على أحد بسوء ما سمعتك تجادلين أحد... ما سمعت منك غيبة ولا نميمة ولا حديثا سلبيا عن أي مسلم –والله حسيبي فيما أقول والله ما بالغت ولا حرفت- ... لحديثك نفس الأسلوب الرباني يدل على الله مقالك وينهض الهمم حالك حريصة على صلاتنا وطاعتنا تشجعينا على الذهاب إلى المسجد و‘إلى "المحظرة" ... اتسع صدرك فكان وطن لنا جميعا ...
أما "صندوق "النن" فحكاية أخرى وقصة أعمق إنه الأمل المستبد الذي كنا ننتظره جميعا كان واحة عطاء وجسر خير نصب لزرع الخير والبر إذا فتح صندوق " النن" فالرحمات تنزلت والقادم أفضل... الجميع كان له مما في الصندوق نصيب لابد أن يأتيك أو تأتيه ...كان كل كلماتك عميقة وعباراتك دروس وحكم ... أما علاقتي معك فلم تكن كعلاقتك بالآخرين بالنسبة لي كنت تجمعين الأمومة والأبوة عطف الأم وحنانها وحرصها على التنشئة والتربية وكنت أيضا تحرصين على تحمل مسؤولية الأبوة حنانها وسعيها لأن ترى أبناءها في الصدارة والمقدمة كنت تفرحين بنجاحي وتبتهجن بتفوقي تشاركيني فرحتي وتحزنين بحزني ...
ألم أقل لكم أن الحديث ذو الشجون تختلط فيه العبارات وتتداخل فيه التراكيب يضيق قميص اللغة على سعته ويرتحل النحو والصرف وتختفي البلاغة والبيان لأن لحن عظم المصيية وجلال الرزء هو اللحن الوحيد المعزوف في هذا الموقف العصيب ...
صدقيني يا حبيبة القلب ويا شقيقة الروح والوجدان راض أنا بقضاء الله وقانع بقدره ومحتسب للأجر والثواب ولكن صدقيني أيضا لا يمكنني أن أتخيل الحياة بدونك والوجود بغيابك, أنت شمعة هذه الحياة وسراجها المنير أنت الفرصة التي لا تعوض أنت البصيرة والبصر... لماذا استعجلت لقاء حبة فؤادك الخالة الحبيبة فاطمة مع حبيبك رسول الله مع رفيقاتك ورفاقك من الصادقين الماجدين المؤمنين الذين هم في رحمة الله يمرحون وتركتينا في لحظة نحن في أمس ما يكون للمسة دافئة من يدك المباركة لنصيحة لا تقدر بالماس من بناة فكرك المتقد ... رحمة الله على روحك الطاهرة أيتها الصادقة الصديقة بلغك الله منازل الشهداء وأظلك في ظله يوم لا ظل إلا ظله يا من تنفق بيمينها فلا تدري شمالها ما أنفقت يمينها وتنفق بشمالها فلا تعلم يمينها ما أنفقت شمالها ...
ولكـنّ ربـي شاء غير مشيئتي ***** وللـرّبِ إمـضـاءُ المـشـيئةِ لا الـعبدِ
ومن كان يستهدي حـبيباً هديـة==فطيفُ خيالٍ منك في النوم أستهدي

عليك ســلامُ الله مـني تـحيـة==ومن كلّ غيث صادق البرق والرعدِ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق